شارع الجمهورية في الناصرية ... مكان يحكي قصة مدينة

Mon, 5 Sep 2011 الساعة : 9:09

وكالات:

هي نفسها الأمكنة ..التي شهدت الولادات الأولى لا زالت تشهد على الزمن الجديد ، هي مدننا سرديات كبرى كما يقول ادوارد سعيد ، أنها الأمكنة التي تركت فينا جروحاً غائرة وذكريات مستفزة دائماً

  ، أنها جزء من ذاكرتنا المبثوثة عبر صور ذهنية ، يجمعها طيف جميل اسمه الماضي  .. بهذه الكلمات نعبر الزمن  لنقف عند أعتاب شارع الجمهورية (شارع السراي  قيام ثورة 14/تموز  )  العريق بعراقة مدينة تتوسد بين ذراعي دجلة والفرات.

شارع الجمهورية في الناصرية هذا المنفذ الذي كان وما زال رئة يستنشق ُ أبناء الناصرية  أصالة مدينتهم وهواء ماضيها الماثل بين ثناياه  ، انه الشارع الذي خططه المهندس البلجيكي ( جولن تلي ) حين باشر في تخطيط مدينة الناصرية عام 1869م أيام الوالي العثماني  مدحت باشا وقد أبدع هذا المهندس وخطط شوارع الناصرية بصورة  مستقيمة تقطعها أخرى مستقيمة لتكون أشبه بالصليب ، وهذا التخطيط ما زال الى اليوم واضحاً  رغم إن بعض الإنشاءات الحديثة لم تكن تراعي هذه التخطيط العمراني الرائع ، في هذا الشارع يقع مبنى سراي الحكومة ( بناية المحافظة القديمة اليوم ) يمتد الشارع طولاً تقطعه عدة شوارع ، هذا الشارع إن حكى فسيفصح عن تلك الأيام التي مضت وتلك الشواهد التي شخصت فيه ، سيذكرُ بالتأكيد وقع إقدام أبناء المدينة الذي إلف وجوهم وإقدام الغرباء الذي مروا كغرباء وذهبوا كغرباء ، سيذكر كل شيء تفاصيل تغيب وأسماء رحلت سيتذكر أدباء امتزج أدبهم بعطر هذا الشارع ، سيتذكر حتى أولئك المجانين الذين كانوا أصدقاء أوفياء  لشارع لا يغادرونه إلا نادراً حتى اضطرتهم يد الأبدية إن يهجروه قسراً .

 جامع فالح باشا ...وشيوخ الأزهر الشريف

من معالم شارع الجمهورية أيضاً جامع فالح باشا السعدون الكبير بمنارته المرتفعة وبنقوشه الإسلامية المميزة ، بناه الشيخ  ناصر باشا الأشقر وهو شيخ عشائر السعدون، بناه في عام 1869 ميلادية، أي مع بناء صرح المدينة الجديدة ، يعتبر أول بناء في الناصرية الجديدة ، وكانت له  قباب ودواوين، وكان فيه مصلى صيفي ومصلى شتوي، وكان فيه بئر كان المريض بمجرد أن يسبح بمائه يشفى بإذن الله". تم  إعادة بناء الجامع في ستينيات القرن الماضي من قبل دائرة الأوقاف الإسلامية آنذاك  وجعله  أكبر بعد أن ضاق بمصليه ، وتطورت المدينة وكثرت نفوسها فصار الجامع أحدث وأكبر مما كان في السابق، فالحرم في السابق كان صغيرا يسع لنحو 200 إلى 300 مصلي فقط أما الآن فإنه يسع لـ 700 إلى 800 مصلي وأكثر، لأن المصلين كانوا كثيرين خاصة في زمن وجود المصريين في العراق فالمصلى لم يكن يسع . كما شهد الجامع  إمامة بعض شيوخ الأزهر ضمن اتفاقية كانت مبرمة بين العراق ومصر، حيث أمهُ  ثلاثة شيوخ هم الشيخ عبد الوهاب والشيخ طه والشيخ عبدو سبقوا الأئمة والخطباء الذين جاءوا من بعدهم. كان ديوان الأوقاف بين فترة والأخرى يطلب مبعوثين عن الأزهر ضمن اتفاق بين العراق ومصر، تأتي مشايخ إلى العراق والعراق يرسل مشايخ إلى مصر، وقسم من هؤلاء نـُسبوا إلى الجامع الكبير". يشار إلى أن الجامع أعيد إنشاءه عام 1966 بعد أن وجه محافظ ذي قار آنذاك دعوة لأحد علماء الدين في البصرة ليطلع على واقعه ويكتب إلى ديوان الأوقاف لترميمه.

ويقول متولي المسجد الحالي   إننا ننتظر أيضا إن تمتد يد الأعمار لترميم هذا الأثر التاريخي الذي يناهز  عمره القرن والنصف تقريباً .

ومن المساجد المشهورة في هذا الشارع مسجد السدرة (نسبة الى وجود شجرة السدر في المسجد ) الذي بناه الحاج المرحوم طالب ومازال المسجد قائماً يؤمه رواد الشارع للصلاة .

مكتبة الأهالي ...المعرفة ... والإبداع

من معالم الشارع الشاخصة الى اليوم    مكتبة الأهالي لصحابها جبر غفوري  التي كتب على لوحتها أنها أقدم مكتبه في الناصرية ، حيث أسسها  المرحوم جبر غفوري عام 1937 وأطلق عليها اسم مكتبة الأهالي تيمناً بجماعة الأهالي التي ناصرت انقلاب بكر صدقي الشهير عام 1936م ، المكتبة كانت منبراً ثقافياً وسياسياً ومتنفساً على العالم الخارجي كما يقول الباحث والكاتب الفلكلوري ماجد كاظم علي : كان جبر غفوري من الشخصيات الوطنية وهو صديق للفنانين والأدباء في المدينة ، فقد كانت مكتبته ملتقى للأدباء ومحبي المعرفة يأتون إليها ليقرؤا ويطالعوا الصحف والمجلات والكتب ولان بعضهم لا يملك المال فانه يقرأ مجاناً والحاج جبر كان متسامحاً معهم ، كذلك كانا نحصل على بعض الكتب الممنوعة من هذه المكتبة ونستعيرها من الحاج جبر غفوري ، ومن مشاهداتي الشخصية رأيت في المكتبة السياسي العراقي المعروف محمد حديد والأديب العراقي زهير الدجيلي إثناء زيارتهم للناصرية آنذاك ، ومن المكتبات التي فتحت أبوابها مبكراً مكتبة 14/ تموز لصاحبها المرحوم طاهر محمد غفوري ولكنها لم تكن بالحيوية والاتساع الذي كانت عليه مكتبة الأهالي ، كذلك هناك مكتبة الأخوين لصاحبها فؤاد علوان وشقيقه ضياء ولم تفتح مكتبة غير هذه المكتبات وقتذاك .

مقاه ومطاعم تأريخه زالت ... وأخرى ما زالت ماثلة

تظل  المقهى تمظهراً أخرى من تمظهرات الريف في المدن الجديدة فالنازحون من الأرياف ظلوا يحنون الى تلك الوشائج والتقاليد التي كانوا يمارسونها ولعل من أبرزها الجلوس في المضيف لشرب القهوة العربية وتبادل إطراف الحديث ولان المدينة لا تتسع لبناء المضائف المصنوعة من القصب ، ولدت المقاهي التي جمعت أبناء المدينة من مختلف إرجائها ،     تحولت المقاهي الى نوادِ أدبية وثقافية وسياسية فيما بعد يحدثنا الشاعر والباحث حسين جهيد الحافظ  عن تأريخ هذه المقاهي بالقول : شهد الشارع افتتاح عدد كبير من المقاهي أشهرها مقهى ابو احمد الذي تحول الى نادي أدبي يرتاده عدد من الأدباء والمثقفين في المحافظة والقادمين إليها ، كذلك مقهى حميدي جاسم وقد أغلق بعد وفاته ومقهى أخيه حبيب ومقهى كاظم خلوف مقابل السراي الحكومي وبجانبه مقهى العروبة يقابله مقهى اللواء ثم مقهى ميزر وكان ملتقى العمال ومقهى التجار التي تأسست عام 1931 كما تشير لوحتها  ومقهى جخيم في زقاق سينما الأندلس الشهير وقبله كان للمرحوم كاظم علي الشمخاوي ثم مقهى جمعة و مقهى محمد عماره وعدد من المقاهي الصغيرة ، كذلك يشتهر الشارع بوجود عدد كبير من المطاعم منها مطعم حبيب النصر الله وهو عبارة عن سرادق كبير وكان يقدم الوجبات المميزة إضافة الى مقهى شناوه صحين إضافة الى محلات الكباب العراقي مثل مطعم الحاج عوده الناهي والذي كان شاعراً أيضا ،وكذلك مطعم كباب خضر أبو علي وكذلك مطعم الباجه وأشهرها مطعم سبتي ومطعم جار الله قرب سيف الطعام .

المصدر:وكالة ذي قار للانباء

شارع الجمهورية في الناصرية ... مكان يحكي قصة مدينة
Share |