في انتظار السيستاني-نبيل ياسين

Wed, 18 Jan 2012 الساعة : 12:42

سماحة السيد علي السيستاني زعيم الحوزة الدينية في النجف الأشرف تحية طيبة والسلام عليكم أرجو أن تكونوا بخير وصحة
السيد العزيز
ستسمح لي بالتأكيد قبل مخاطبتك، أن اعزي عائلة شهيد العراق الضابط سبهان الجبوري وان أقف إجلالا  لوالدته العراقية التي جسدت وحدة الألم العراقي ووحدة أحزان أمهات الشهداء كما جسد ولدها الشهيد وحدة الدم ووحدة الدين ووحدة الطوائف ووحدة الوطن ووحدة الشعب ووحدة الواجب ووحدة الشعور العراقي.
السيد الجليل:التقيت بكم آخر مرة قبل ثلاثة أعوام. ومنذ ذلك الوقت حدثت تطورات عميقة في العراق تعرفونها جيدا من خلال متابعاتكم اليومية والاهتمام العميق الذي تولونه للعملية السياسية، حتى شاع بين الناس أنكم تستنكفون من لقاء المسؤولين تعبيرا عن عدم الرضا عن أدائهم السياسي والخصومات والمنازعات التي صارت تعيق حياة الناس.
لدي كثير من الأسئلة التي أرجو أن أستفتيكم بها. فانا مواطن يواجه مصاعب في معرفة شرعية ما يقوم به المسؤولون وما تقوم به الحكومة. وفي معرفة المنكر منها والمعروف، حتى بت أتصور أن هناك تبادلا لمواقع المعروف والمنكر. فالقيم الخيرة ما عادت سائدة بين كثير من المؤمنين. والتحليل والتحريم صارا رهنا بالقرارات والإجراءات السياسية وليس رهنا بالأصول. فضلا عن ذلك، فان مفاهيم مثل المال العام، والعدل، والمساواة، والحقوق، والقانون، والعلم، والثقافة، والأخلاق، والنزاهة، والاستقامة، والحدود(الصلاحيات) صارت تتعدى حدود الله وتنطلق من مصالح ورغبات الأفراد طبقا لنفوذهم وقوتهم.
تعرفون أن الأئمة كانوا يضعون السلطة نصب أعينهم دون أن يعزلوا أنفسهم عن ما يجري حولهم ولذلك كانت ثورة الحسين تهدف إلى إصلاح ما فسد، وان الإمام زين العابدين كان يسمع من الناس أثناء الحج ويعطي رأيا حتى تعجب هشام بن عبد الملك بن مروان، من تجمع الحشود حول الحجر الأسود فلم يستطع مسه ولما جاء  الإمام زين العابدين تنحى له الناس فسأل رجل من أهل الشام لما رأى هيبة الناس له فقل هشام: لا اعرفه، مخافة أن ينتبه أهل الشام فيعرفون من هو، وكان الفرزدق حاضرا فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته      والبيت يعرفه والحل والحرم
هدا ابن خير عباد الله كلهم      هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة، إن كنت جاهله        بجده أنبياء الله قد ختموا

ولما هدد قيصر الروم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بنقش مايسيء إلى المسلمين على النقود التي كانت تسك في القسنطينة، لم يتأخر الإمام محمد الباقر في نصح الخليفة، وهو راغب عنه، بسك نقود إسلامية ليتخلص من تهديد وابتزاز الروم.
وحين انتقلت عاصمة الخلافة إلى بغداد كان الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم حاضرين قريبا من الخلافة يرمقانها بعيونهما فيقيمان قراراتها وسلوكها ويعترضان على ما يخالف حقوق الناس. وكان الإمام الرضا مع المأمون وقبل ولاية العهد للحفاظ على حقوق المسلمين ثم انتقلت الخلافة إلى سامراء فانتقلت إليها الإمامة، وكل ذلك يعني أن الإمامة كانت تخوض معارضتها للخلافة من موقع القرب وليس بعيدا عنها وقد دفعت ثمنا باهظا لهذا القرب.
لقد كانت الرؤية النقدية للإمامة قد شكلت موقفا سياسيا ودينيا ساعد كثيرا من الثورات الشعبية ضد عسف وجور الخلفاء  وخرج من هذه الرؤية النقدية فكر الحقوق والعدالة والمساواة الذي جسده آية الله الشيخ حسين النائيني في كتابه الشهير(تنبيه الأمة وتنزيه الملة) عام 1901 الذي جاء في الفترة الحاسمة بين الحرية والاستبداد مما عرف باسم المشروطة  التي أعطت للدستور بين الحكم وبين الناس معنى ديمقراطيا للحكم.
ومنذ عام 2003 برز دور مرجعيتكم في الأحداث الكبرى والفاصلة في التاريخ المعاصر للعراق خاصة في قضايا الدستور والانتخابات وحفظ حقوق المواطنين وعدالة الحكم والحد من طغيانه والالتزام بتوفير العدالة، العماد الأقدم لأية دولة وأية حقوق، والإرادة، لان الدولة هي الإرادة والعقل. والإرادة هي الحقوق والعقل هو العدالة.
السيد الجليل:اسمح لي أيها السيد الجليل أن أخاطبك بصورة المفرد. وأنت، كما عرفتك، وتابعت لن تعترض بل سترى ذلك أمرا طبيعيا، لان سياسيينا يريدون ألقاب التكريم التي تقترب من ألقاب الله الحسنى. وأنت لا تقبل ذلك.
سأتقدم إليك بأسئلة هي أسئلة ملايين العراقيين سواء ممن يقلدونك أم ممن يضعون على عاتقكم (في الحوزة)  مسؤولية حماية كرامتهم وحقوقهم وأمنهم وحياتهم واعتبارهم الإنساني. فكثير من فتاواك ساهمت في حماية القانون والعدل ومنع الانتقام مثل فتوى عدم الانتقام الشخصي من البعثيين وعدم جواز اغتصاب ممتلكاتهم وعدم اغتصاب مساجد أهل المذهب السني وغيرها.
المسألة الأولى
خرج الأمريكان وخلفوا وراءهم بلدا مخربا خاليا من البناء والعمران وتركة ثقيلة من سوء السمعة مثل فضيحة سجن أبي غريب وغيرها وتلوثا بيئيا خطيرا يهدد صحة العراقيين بعد استخدام قنابل اليورانيوم المنضب التي لوثت الأرض والمياه والزراعة، كما تركوا وراءهم عملية سياسية غير مستقرة وذات سمعة لا تحسد عليها الطبقة السياسية السائدة.
سؤالي هو: هل يتوجب على الحكومة العراقية طلب تعويضات (لا تسلم ماليا للحكومة) من الإدارة الأمريكية لإعادة إعمار العراق عبر شركات عالمية تتعاقد معها الحكومة الأمريكية وتدفع لها الأموال  لبناء المدن العراقية وفق الأساليب المعاصرة عمرانيا وصحيا وبيئيا وجماليا مع الخدمات الأساسية التي تشكل البنية التحتية الضرورية للعيش اليوم؟
المسألة الثانية
تنشغل ألمانيا الآن بقضية سلفة مالية لزوجة الرئيس الألماني استلمتها من احد المصارف لشراء بيت حين كان الرئيس الألماني محافظا لإحدى الأقاليم الألمانية وهناك شبهة تسهيلات غير قانونية لاستغلال النفوذ. سؤالي  هو هل يجوز لأعضاء البرلمان تخصيص رواتب تقاعدية مدى الحياة بعد أربع سنوات فقط من عضويتهم وتخصيص أراض والمشاركة في صفقات مالية وتسهيل مناقصات وعقود بشكل غير عادل وأحيانا غير قانوني، في حين يقضي الموظف أكثر من خمس وعشرين سنة من حياته قبل أن يحصل على راتب تقاعدي لا يشكل سوى اقل من عشرة بالمائة من رواتب البرلمانيين؟
المسألة الثالثة
هل يجوز لعضو البرلمان أن يشرع لنفسه الحصول على قطعة ارض من الأملاك العامة على ضفاف النهر بعد أن يقضي أربع سنوات في عضوية البرلمان بينما يفترض انه يمثل الشعب وهناك نسبة كبيرة من أبناء الشعب بدون سكن وبدون حق الحصول على قطعة ارض أو يصادر حقه في الحصول عليها؟ وهل يجوز القضاء على الأراضي الزراعية اللازمة لمعيشة الشعب لتخصيصها لعدد محدود من السياسيين؟
المسألة الرابعة
يشكل الوفاء بالعهود ركنا أساسيا من الدين ومن الأخلاق، حتى أن الإمام علي أوصى عامله على مصر بعدم نقض العهد مع العدو. وقد قدم كثير من السياسيين العراقيين وعودا وابرموا عقودا سواء عن طريق الكتابة أو عن طريق التعهد اللفظي، والتعهد اللفظي يعتبر (عقدا) في بريطانيا مثلا ويسمونه ( عقد الجنتلمان) الذي لا يتراجع عنه الرجل الذي ابرمه لفظا ومنهم السياسيون الذين يسقطون قبل إجراء الانتخابات إذا فشلوا في تنفيذ العقود اللفظية للشعب. وسؤالي هو هل يجوز للحكومة أو رئيس الحكومة أو الوزراء أو النواب أن ينقضوا عهودهم بتحسين الخدمات وتحسين معيشة الشعب ويخدعوا الناس بالوعود وهم يعرفون سلفا أنهم لن يلتزموا بها في حين يحث القرآن على الالتزام بالوعود وعدم الحنث بالقسم واغلبهم اقسم بالله على خدمة الشعب والوطن؟
المسألة الخامسة
واجه الإمام علي الخوارج وهو خليفة شرعي اختير اختيارا وبضغط من المواطنين في المدينة، ومع هذا فهو لم يسجن أحدا لمخالفته الرأي ولم يقتل أحدا من المعارضين قبل أن يخرجوا عليه في حرب ولم يمنع أحدا من التعبير عن رأيه ولم يقطع عطاء معارض له. وقد أكد آية الله المجتهد الشيخ حسين النائيني عام 1906 على أن الاستبداد الديني أسوأ من الاستبداد السياسي فقال (من هنا تظهر جودة استنباط بعض علماء الفن الذين قسموا الاستبداد إلى نوعين سياسي وديني، يرتبط كل منهما بالآخر ويسنده، واعتبروهما توأمين لا ينفصل احدهما عن الآخر. من المعلوم أن قطع شجرة الاستبداد الخبيثة، والخلاص من هذه العبودية الخسيسة، أسهل في الجانب السياسي منه في الجانب الديني. فالخلاص من الاستعباد السياسي قابل للتحقق، إذا التفت الشعب إلى حقيقة حاله وتنبه إلى إمكانية التحرر من قيوده. وعلى العكس فان التخلص من الاستبداد الديني اشد صعوبة، بالنظر إلى فاعلية السيطرة على القلوب، فإذا كان هذا سندا وحافظا للاستبداد السياسي، فان الخلاص من قهر الطواغيت يصبح هو الآخر شديد الصعوبة، إذ انه لا يتحقق قبل الخلاص من الاستبداد الديني).
وسؤالي هو هل يجوز لأي حاكم أو أي سلطة تنفيذية في العراق اليوم تعقب ومعاقبة وسجن (غالبا دون محاكمة) من ينتقد إجراءات غير قانونية ولا تخدم الشعب واستخدام الدين لتشديد الاستبداد السياسي باسمه خاصة وان الشيخ النائيني يؤكد أن السماح بالاستبداد وعدم التنعم بالحرية هو من أنواع الشرك وان التحرر من العبودية يعد من مراتب التوحيد ولوازم الإيمان، إضافة إلى أن المادة 37 من الدستور تمنع التوقيف والاعتقال دون إذن قضائي وان المادة  38 من الدستور الذي وضعه الحاكمون اليوم أنفسهم تنص على حق النقد وممارسة حرية التعبير.
المسألة السادسة
تمارس سيادة القانون لحفظ كرامة الإنسان ومنع امتهانه وتحقيره. ويعتبر الإنسان هدفا أساسيا للحكم وتبرز قيمة الإنسان في القرآن باعتباره خليفة الله في الأرض، ولكن الإنسان في العراق لم يتمتع بأي نوع من أنواع الكرامة. وهناك شواهد كثيرة مسجلة في أفلام مرئية ومسموعة في مراكز الشرطة تظهر المعاملة غير الإنسانية وغير الدينية وغير الأخلاقية وغير القانونية مع معتقلين، منها اعتقال امرأة متهمة بقتل رجل دين وعدها بالزواج الدائم ولم يتزوجها ويظهر الفلم مشاهد إباحية غير أخلاقية، خاصة في لغة التحقيق منها سباب وشتائم ولغة مخجلة تمتهن المرأة وأنوثتها وتفضح طريقة ممارسة الرجل المغدور للجنس معها وأماكن الممارسة مع تهديد ووعيد وضحك عدد من أفراد الشرطة المحققين بما يجعل من عملية التحقيق جريمة انتهاك واضحة. فهل يجوز هذا الأسلوب في التحقيق وهل يجب مساءلة الحكومة على سوء استخدام جهاز العدالة المفترض لهذه الأساليب؟
المسألة السابعة
استقال وزير الدفاع الألماني بعد أن اكتشف البعض انه اخذ فصلا من رسالة جامعية غير مطبوعة دون أن يشير إليها في مصادر الدراسة التي أعدها للدكتوراه قبل أن يصبح وزيرا للدفاع. وتثار في بلاد المجر الآن ضجة ضد رئيس الجمهورية بال شميت تطالبه بالاستقالة والاعتذار بعد أن اتضح أن رسالته للدكتوراه مأخوذة من رسالة دكتوراه لطالب بلغاري كتبت باللغة الفرنسية عام 1985. والتزوير هو غش وجريمة وانتهاك للقانون والأخلاق وبذلك لا يكون التزوير عملا شرعيا مهما كانت مبرراته. إضافة إلى انه سرقة لجهود الآخرين أصحاب الحق سواء في الشهادة أو المنصب أو الحقوق المعاشية. ولدينا آلاف المزورين الذين سرقوا فرص وحقوق غيرهم وتبوؤوا مناصب وشغلوا وظائف كان يفترض أنها مخصصة لأصحاب العقول والشهادات والخبرة والاختصاص. وقد صدرت قوانين للعفو عن المزورين وسؤالي هو: هل تكتسب قوانين العفو عن المزورين شرعية دينية أو قانونية أو أخلاقية خاصة وأنها تعتبر مكافأة وتشجيعا على ارتكاب جريمة التزوير واعتبارها عملا شرعيا وشريفا للوصول إلى المناصب وتمثيل الناخبين الذين يفترضون صدق وأمانة من يمثلهم أم أنها تعتبر قوانين باطلة لا يجوز تنفيذها على أشخاص قاموا بفعل تزوير شهادات حصلوا بموجب تزويرها على مناصب وأموال وامتيازات ليست من حقهم أصلا؟
المسألة الثامنة
يقول علماء الفكر السياسي أن الدولة لابد أن يكون لها جهاز إداري يلبي المتطلبات المتسارعة والمتجددة للمواطنين ويكون في خدمة هذه المتطلبات. وتدفع الدولة لهذا الجهاز مرتبات لقاء الجهود التي يقدمها أعضاء الجهاز لتلبية الحاجات المتزايدة لمواطني الدولة. ولكن اغلب أعضاء الجهاز الإداري في العراق يحولون مواطني الدولة إلى أهداف ممتهنة ومحتقرة ومصدر للرشوة والإثراء غير المشروع وعرقلة حاجات المواطنين بحيث أصبح جهاز الإدارة سلطة شبه مطلقة بدل أن يكون جهاز خدمة يفترض انه حيادي كما نص عليه تقرير اللجنة لفحص النشاط السياسي لجهاز الخدمة المدنية، التي شكلتها الحكومة البريطانية عام 1945 وقررت (أن الحياد السياسي للخدمة المدنية هو طابع أساسي للحكومة الديمقراطية البريطانية، وهو جوهري لقيامها بعملها بكفاية ويجب التمسك بها) وهذا يعني أن الموظف المدني يمكن أن يعمل بالسياسة ولكن يجب أن لا ينحاز سياسيا في عمله. وكان وزير المالية غلادستون قد بدأ منذ عام 1853 الخطوات الأولى لإصلاح النظام الإداري والقضاء على الرشوة والمحسوبية التي تلغي العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون في الحصول على فرص العمل وانجاز معاملات المواطنين بدون رشوة، وكانت لجان برلمانية قد أجرت سلسلة فحوصات للجهاز المدني منذ عام 1780 وواجهت صعوبات وعراقيل كثيرة ثم أعقبتها جهود وزير الحربية جيمس جراهام الذي كتب للبرلمان عام 1832 رسالة إلى البرلمان قال فيها (إني لست حرا في أن أهمل المطالبات المهنية من جراء الخلافات السياسية).
وسؤالي هو: هل الرشوة التي يضطر المواطن لدفعها إلى موظف الخدمة المدنية من اجل انجاز معاملاته جائزة؟ وهل يجوز لموظف الخدمة المدنية احتقار وامتهان المواطن الذي يضطر لمتابعة متطلباته في أجهزة الحكومة، وهل يجب على الحكومة منع موظفيها من ممارسة الرشوة ومنع الامتهان والتحقير والسلوك القهري ضد المواطنين؟ وهل يجوز للحكومة استخدام المحسوبية الطائفية أو الحزبية أو العائلية أو غيرها في العمل الإداري واستلام المناصب والوظائف بناء على هذه المحسوبية والإضرار بمصالح المواطنين؟
المسألة التاسعة
أسلم وحشي، قاتل حمزة، عم الرسول، والذي كان لاستشهاده والطريقة التي تم بها التمثيل بجثته وقع عميق على وجدان النبي. ولكن النبي، الذي قبل إسلام قاتل عمه، لم يشأ أن يراه فأمره بان يغرب عن وجهه وقال له‏:‏ ويحك‏!‏ غيب وجهك عني، فلا أراك‏.‏ ويقول وحشي، فكنت أتنكب رسول الله حيث كان، فلم يرني حتى قبضه الله‏، كما طرد الحكم بن العاص من المدينة إلى الطائف لأنه كان يسخر من النبي ويستهزئ بمشيته وكلامه وقد سمي طريد رسول الله ولم يعد إليها إلا في خلافة عثمان ابن أخيه. وسؤالي هو: لقد أعادت الأحزاب الحاكمة آلاف البعثيين ممن اضطهدوا العراقيين وشاركوا في جرائم النظام المنهار ضد الشعب وتسلموا مسؤوليات بمساعدة الأحزاب الحاكمة ومنها أحزاب دينية سياسية وحصلوا على مناصب وامتيازات من خلال دخولهم أو تواطؤهم مع الأحزاب الدينية التي تمارس سياسة اجتثاث البعث حسب مصالحها ورغباتها وتواطؤ أولئك البعثيين، خاصة الشيعة منهم، مع تلك الأحزاب، حتى دون اعتذار للشعب، مما ينتهك العدالة ويجزئ القانون ويعيد المجرمين إلى وظائف ومناصب يحرم منها مستحقوها مما يجعلهم يشعرون بالغبن وانعدام العدالة والاستمرار بنهج الطاعة والولاء للشخص والحزب بدون الولاء للوطن والشعب. وسؤالي هو هل يجوز للحكومة والأحزاب الحاكمة حرمان الشعب والمستحقين منه للوظائف والمناصب وإعطائها لأدوات النظام المنهار التي ساهمت في القمع والاضطهاد وأعطت للنظام المنهار القدرة على قتل العراقيين؟
المسألة العاشرة
العشيرة وحدة اجتماعية مهمة في التاريخ. ورغم استخدام صدام ونظامه للعشيرة استخداما مهينا من خلال الهوسات والدبكات والتمجيد الكاذب والمدفوع الثمن  والمدفوع بعضه بعوامل الخوف خلال حروبه ورشوة كثير من أبناء العشائر والتدخل في تنصيب شيوخ كثير من العشائر ومساهمة الردات والهوسات العشائرية في أغاني تمجيد القتل والحروب، إلا أن دور العشيرة بات أكثر انقساما عن الدولة وقوانينها حيث أحيت العشائر قوانينها البعيدة عن القوانين الجزائية والجنائية فأعادت الدية والفصل بدون الرجوع إلى القانون العراقي والدين مما جعل القيم العائلية النبيلة عرضة للانقراض إذ برزت مكانها قيم التضامن العائلي والعشائري من اجل الحصول على المال بطرق غير مشروعة مثل إلقاء الشخص نفسه أمام عجلة سيارة أثناء توقفها وطلبه للفصل والدية بمساعدة عشيرته، أو فصل حوادث المرور بدون القانون الذي يفحص الحوادث ويقرر على من يقع الخطأ، أو الخصومات الوظيفية التي تحصل داخل مؤسسات السلطة التنفيذية حتى تحولت سلطة العشيرة إلى قانون نافذ غيّب القانون الإداري وقانون العقوبات البغدادي كما غيب الدستور والحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في بعض بنوده وعرض كثيرا من المواطنين إلى غبن سببه في كثير من الأحيان التهديدات التي تستخدمها العشائر ضد المواطنين طمعا في الحصول على المال مما عرض حتى مهنة الطب ونشاطها إلى سطوة العشيرة حيث امتنع كثير من الأطباء عن ممارسة فحوصاتهم وجراحاتهم بسبب التهديدات العشائرية المدعومة من الحكومة التي تستخدم العشائر استخداما سياسيا في خصوماتها السياسية.
سؤالي هو: هل تسمو قوانين العشيرة على القوانين الرسمية، وهل تسمو قوانين العشيرة على أحكام الدين؟ وهل يجوز للحكومة استخدام العشيرة لإضعاف القانون وتضييع حقوق المواطنين بسبب هيمنة وقوة بعض العشائر وتفوقها العددي؟
المسألة الحادية عشر
في تراث العرب والمسلمين حوادث ووقائع كثيرة فيها تجارب وقيم ومعايير تشكل أساسا لدور القضاء وأهمية المنطق وضرورة العدل، منها أن تاجرا غنيا من تجار البصرة في العصر العباسي بنى قصرا منيفا. وكان بجوار القصر خربة لعجوز لا تساوي عشرين دينارا، فأراد التاجر ضم الأرض التي تقوم عليها الخربة لداره فعرض على العجوز مبلغ 200 دينارا فرفضت فهددها بان يشكوها إلى القاضي بتهمة الحمق ويحجز على خربتها فيشتريها. واستدعاها القاضي وقال لها انه سيحجر عليها بتهمة الحمق والتقصير في تقدير مصلحتها فسألته ولماذا تحجر علي؟ فقال لها لأنك ترفضين مبلغ 200 دينار لخربة لا تساوي غير عشرين دينارا. فقالت للقاضي: ولماذا لا تحجر على أحمق يدفع مائتي دينار لخربة لا تساوي غير عشرين دينارا. فبهت القاضي وأمر بإبقاء الخربة في عهدتها.
إن عددا كبيرا من أعضاء الحكومة والأحزاب الحاكمة يشترون من ممتلكات الدولة عقارات وأراضي بالطريقة التالية: يشترون ما قيمته 100 مليون دولار من الأملاك العامة بـ 10 آلاف دولار ويقولون أنهم لم يسرقوا وإنما اشتروا حلالا طيبا ودفعوا ثمنه حتى استولوا على معظم الأملاك العامة التي لم يبق منها شيء للشعب ولا للأجيال القادمة وصارت هذه الطريقة أهم مصادر الإثراء السريع والفاحش. وسؤالي هو هل تجوز هذه الطريقة وتعتبر شرعية أم أنها سرقة تتم من خلال النفوذ والجبروت والمحسوبية والاحتكار والاستغلال السياسي؟
السيد الجليل
لدي أسئلة عديدة أخرى تتعلق بالفساد وحليته في نظر بعض المسلمين في السلطة ونهب المال العام بناء على اجتهادات يدّعون أنها دينية، واستغلال الأرامل استغلالا جنسيا سواء باستخدام الحصة التموينية أو المساعدات المالية التي تقدمها الحكومة على شكل منح ومكرمات وهبات. كما لدي أسئلة أخرى تتعلق بتمجيد الجهل واعتماده مقياسا للكفاءة وتحقير العلم واعتباره مقياسا للحرمان والإبعاد والتهميش والإقصاء وانهيار المنظومات الأخلاقية والمعايير العلمية لبناء الدولة التي تتراجع لصالح تجمعات سياسية وحزبية فوق القانون وفوق الدستور أوصلت العراق إلى حافة التمزق والتقسيم والتراجع وضعف العلاقة بين المجتمع والدولة الممزقة وضياع حقوق المواطنين تحت سطوة النفوذ السياسي وانهيار المنظومة الأخلاقية للدولة، واغلب أجزاء هذه المنظومة مستمد من الدين والقانون والإرث الإنساني والتجربة البشرية للمجتمعات والتعاليم الأخلاقية والقانونية للرسالات الدينية.
إنني بانتظار أجوبتك أيها السيد الجليل. وسأتوقف عن الكتابة حتى يتسنى لك الوقت للرد على أسئلتي، التي تعبر عن أسئلة ملايين العراقيين، لنشرها حالما تصل مع خالص التقدير والاعتزاز متمنيا لكم الصحة والعمر المديد لخدمة الشعب العراقي بكل أديانه وطوائفه والشعوب الإسلامية في العالم.

Share |