مديرية بلدية الناصريةللاعلان هنا


‎العـبـيــد الجـدد) ‎بقلم: حذيفة العمقي

Wed, 5 Dec 2018 الساعة : 11:16

في ساعة مبكرة من صباح يوم 27 فبراير مطلع العام الحالي، كنت قد وصلت وبرفقتي مجموعة من الأصدقاء إلى مدينة (كاندي) في سريلانكا، وبعد حوالي ساعتين من وصولنا توجهنا لتلبية دعوة من إحدى المنظمات الخاصة لحضور مهرجان ثقافي يشارك فيه ضيوف من عدة بلدان، وعند دخولنا لقاعة المهرجان تفاجأنا بوجود مكان يشبه العرش مخصص ربما لملك أو رئيس أو شخصية هامة!
دفعنا الفضول لسؤال أحد المسؤولين عن هذا العرش ولماذا هو هنا؟
فأخبرنا بأنه مخصص لأشهر حكيم في شرق وجنوب آسيا ويدعى (أوشوا نماكي) والذي تجاوز عمره 115 عام!
ولاحقاً علمنا بأن هذا الحكيم المُعمر له أتباع ومحبين كُثر، لدرجة أن البعض قد أتى من بلدان كالصين واليابان والهند لرؤيته.

كان الحضور جميعاً - بما فيهم نحن - منتظرين بلهف وحماس للحظة وصول الحكيم أوشوا، وبعد حوالي نصف ساعة صعد وزير الثقافة السريلانكي ليعلن وصول الحكيم وأنه خلال دقيقة واحدة سيدخل من باب خاص موجود بجانب العرش المخصص له، وقف الجميع وعيونهم شاخصة والصمت يخيّم على الجميع في مشهد نادر يصعب وصفه، عندما وصل الحكيم دخل وهو يلوح بيده اليمنى للجمهور والهدوء والوقار والسكينة تظهر على مُحياه.

الغريب أن المهرجان الثقافي استمر لمدة 30 دقيقة فقط، وبعدها غادر الحكيم أوشوا، دون أن يلقي كلمة، واحدة وغادر الجميع.

دفعنا الفضول لمعرفة ما الذي قد يجعل مئات الأشخاص من بلدان عدة أن يأتوا لمجرد فقط رؤية هذا الحكيم (نعم رؤيته فقط)، لأنه لم يلقي أي كلمة ولا يُسمح لأحد بالاقتراب منه أو مصافحته!!.

بدأنا البحث أكثر عن سر هذا الحكيم، وما الذي يجعله مؤثراً ومحبوباً لهذه الدرجة!
وبعد أكثر من 5 ساعات بحث ومطالعة وترجمة لبعض المقالات التي تتحدث عنه وجدنا أنه يتمتع بميزات غريبة عده!
لكن كان أكثرها غرابة أنه يفضل (الصمت) دائماً، ولا يتحدث إلا يوم واحد كل ثلاثة أشهر، أي بمعدل أربعة أيام في العام الواحد!
ويعتقد الحكيم أوشوا وأتباعه أن الصمت يساهم بشكل مباشر في تعزيز الصحة وتقوية المناعة وإطالة العمر!.

بعد شهر من انتهى زيارتنا لسيرلانكا قررت أن أبحث أكثر وبجدية كبيرة حول هذا الأمر (الصمت)، وهل فعلاً للصمت فوائد قوية أم انه فقط مجرد وهم وخرافة!.

أمضيت أكثر من 10 أيام متتالية في البحث والقراءة والتنقل بين صفحات الكتب وبعض المجلات العلمية والمواقع الطبية المتخصصة، والتواصل مع بعض المتخصصين في عدة جامعات عربية وأجنبية، وفي النهاية توصلت للحقائق المبهرة التالية:
ــــــــــــــــــــــــ
1- البروفسور (جوزيف ماندل) يؤكد أن الصمت لمدة 30 إلى 90 يوم بشكل متواصل له تأثير قوي ومباشر في تعزيز صحة ومناعة الإنسان أكثر بكثير من تأثير الرياضة او النظام الغذائي المتوازن ويشرح ذلك بالتفصيل في كتابه (السر الأعظم للصحة).

2- (مجلة هارفارد توداي) في عددها الصادر في شهر سبتمبر 2016 تؤكد ذات الشيء، بل وتضيف أن أمراض كثيرة كأمراض القلب والسكري والقرحة يمكن معالجاتها والتقليل من تأثيراتها عن طريق الصمت لمدة تتراوح من 6 إلى 10 أسابيع.

3- في كتابه (شموس الصالحين) يسرد العالم الرباني النعمان بن إدريس الأندلسي، ما يزيد عن 100 قصة لمجموعة من الصحابة والتابعين، وكيف كان الصمت دوائهم الشافي وعادتهم الدائمة، وأنهم جميعاً كانوا يتمتعون بصحة العقل والجسد، وكانت أعمارهم طويلة مقارنة بغيرهم.

4- (مجلة الأسرة والحياة الكويتية) في عددها رقم 106 الصادر في شهر مايو 2017 تؤكد في مقال علمي طويل: (أن الأشخاص الأكثر كلاماً يكونوا أقصر عمراً وأضعف مناعةً والعكس صحيح) وتم هذا البحث على أكثر من 5000 شخص في 48 دولة مختلقة حول العالم.
ــــــــــــــــــــــــ

وقبل أن أختم هذا المقال!
لعلي أشعر بالحماس الكبير الذي تشعر به الآن تجاه أهمية (الصمت)، وأعتقد بل أجزم أنك قد قررت الآن بوعي أو بدون وعي ببدء تجربة عادة الصمت في حياتك، لما لها من فوائد عظيمة، وأكاد أستطيع أن أستشعر رغبتك الكبيرة في نُصح وإقناع كل من حولك بأهمية الصمت وفوائده على صحة ومناعة الإنسان وإطالة عمره.

لكن مهلاً!
قبل كل ذلك وقبل أن تبدأ بتنفيذ خطتك في أن تنتهج الصمت عادة استراتيجية في حياتك، سأطلب منك طلب بسيط لن يأخذ منك إلا بضع دقائق!.

الطلب هو أن تحاول البحث عن الحكيم (أوشوا نماكي) وهل يوجد أصلاً مجلة إسمها (هارفارد توداي) أو (الأسرة والحياة الكويتية) واستمر في البحث وحاول أن تجد كتاب (شموس الصالحين) أو كتاب (السر الأعظم للصحة) ولا تنسى صديقنا البروفسور (جوزيف ماندل).

إن جميع الأدلة والأسماء والبراهين التي ذكرتها (ليس لها أي أساس من الصحة) وجميعها نابعة من مخيلتي ليس إلا.

لكن السؤال الأهم!
ما الذي قد يجعل البعض يقتنع بما ذكرت من أدلة وبراهين ومعلومات بالرغم من أنها غير صحيحة؟
هل ثقته بي!، أم قوة الطرح والأسلوب!، أم ربما الأرقام والأسماء والأدلة التي ذكرتها!، أم كل ذلك؟؟؟؟

إن خداع عقول غالبية البشر اليوم أصبح أسهل من أي وقت مضى!
ويمكنك فعل ذلك برسالة نصية واحدة عبر الواتساب، أو عن طريق صورة معينة، أو فيديو قصير واحد.
وبذلك تتمكن من جعل الناس تثور ولا تقعد، أو تقعد ولا تثور، الأمر فقط يعتمد على مزاجك أو ربما مخططاتك، فالغالبية الكاسحة من الناس يسهل خداعهم والتلاعب بهم وتضليلهم، وهؤلاء هم من أسميهم (العبيد الجدد)!

معظم البشر تتشكل حياتهم وقناعتهم واعتقاداتهم المختلفة طبقاً لما يسمعونه أو يشاهدونه أو يقرؤونه، ولا يبذلون أي جهد لمحاولة التأكد من صحة ما يتلقونه من معلومات هنا وهناك.

إن حياة الإنسان كلها تتشكل وفق ما يصله من معلومات، والتي بدورها تؤثر بشكل مباشر في تكوين قناعاته وتحديد توجهاته وتشكيل عاداته واعتقاداته، ونظرته لنفسه وللآخرين وكل تفاصيل حياته.

وهناك سؤال آخر مهم!
أين تكمن الخطورة الكبيرة للمعلومات التي تتلقاها بدون فحص أو تأكد؟؟

إليك بعض الأمثلة:
- جملة واحدة تقرأها، قد تجعلك تقرر قرار هام كالسفر أو العودة أو ما شابة، بالرغم أنها غير صحيحة!
- مشهد فيديو قصير قد يجعلك تقرر مواصلة التعليم أو التوقف!
- بيت شعري واحد، أو حديث نبوي غير صحيح، أو آية تُفهم بشكل خاطئ!، قد تؤدي إلى أن تُقدم روحك رخيصة في حرب ليس لك فيها لا ناقة ولا جمل!
- دراسة علمية واحدة قد تجعلك تتوقف عن أكل اللحوم أو شرب القهوة أو بدء ممارسة طقوس معينة.
- مقطع صوتي واحد أو قصة قصيرة واحدة يمكن أن تفعل بك الأفاعيل، سواءً على الصعيد الشخصي أو الأسري أو المجتمعي.

إن جميع المعلومات التي تتلقاها يجب أن تُخضع للفحص والنقد والبحث والتأكد، بغض النظر عن صاحبها أو مصدرها، بما في ذلك المعلومات التي قد تأتي من أشخاص أو مصادر تثق فيها.

لا تبيع عقلك لأحد ولا تسمح لأيٍ كان باختراق عقلك واللعب به.

إن (العقول القابلة للبيع) هي تلك العقول التي يرفض أصحابها استخدامها، وهؤلاء فقط هم الاشخاص الذين يسهل عليك خداعهم والتلاعب بهم وتجييشهم حسب ما تهوى وكيفما تريد.

كل من لا يستخدم عقله هو باختصار أحد (العبيد الجدد) الذين شعارهم "سمعنا وأطعنا" تجاه أسيادهم أو مثقفيهم أو إعلامييهم أو حتى تجاه تلك العادات والثقافات والاعتقادات والموروثات البالية لأسلافهم ومجتمعاتهم.

في كل يوم تتوقف فيه عن التساؤل والنقد والبحث والاعتراض ومحاولة التأكد، تكون بذلك قد اصبحت أكثر قرباً من هؤلاء (العبيد الجدد).

من هو العبد إذن؟
هو ذلك الشخص الذي يرفض التفكير!
يسمع وينفذ، يقرأ وينفذ، يُشاهد وينفذ.
وما يفعله الآخرون يفعله، وما يعتقده الآخرون يعتقده.
وبما أن الآخرين توقفوا عن التفكير واستخدام عقولهم، فهو مثلهم قد توقف، وأعتقد وأجزم أنه لا يدري بأنه لا يستخدم عقله، بل وربما لا يدري أنه لا يدري.

#لأجلك_أنت_استخدم_عقلك

Share |
غرفة تجارة الناصرية